المناوي
8
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وقد سئل شيخ الطّريق الجنيد : أيزني العارف ؟ فقال : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [ الأحزاب : 38 ] . وهب أنّ الظنّ حاصل بصدقه في دعواه لكنّ الشّارع جعل لثبوت الدعوى منهجا مخصوصا ورابطا معروفا لا يسوغ العدول عنه ، ألا ترى أن كثيرا من الظّنون التي تكاد تقرب من اليقين لا يجوز الحكم بها لخروجها عن الضّوابط الشّرعيّة ؟ . وعن الرابع : بأنّ كثرتها تكون استمرارا لنقض العادة فلا نسلّم ، كونها خروجا عنه ، والكرامة وإن توالت على الولي حتى ألفها واعتادها ، لا تخرجه عن طريق الرّشاد ووجه السّداد . وعن الخامس : بأنّ المقارنة للدّعوى تفيد القطع بالصّدق عادة . وعن السادس : بأنّ الكرامة تفيد جلالة قدر الأنبياء ؛ حيث بلغت أممهم ذلك ببركة الاقتداء بهم . فلا إخلال . وعن السّابع : بأنّها تفارقه وتتميّز عنه بأنّها لا يجدي فيها التعلّم والتّعليم ولا تمكن المعارضة لها ، ولا تجامع شرة النّفس ، ولا تكون بمزاولة أعمال مخصوصة بخلافه . وبذلك تمّ الانفصال ، وانزاح غيهب الإشكال ، واستبان أنّ ما ذكروه تمويه لا طائل تحته ، وقعقعة لا حاصل لها ، ومن تمام الكلام في هذا المقام أنّ أهل القبلة اتّفقوا على أنّ الكرامات لا تظهر على الفسقة الفجرة ، بل على الموفّقين البررة ، وبذلك لاح أنّ الطريق إلى معرفة الأنبياء لا تنسدّ ، فإنّ الوليّ ينقاد للنّبيّ إذا « 1 » ظهرت المعجزة على يديه ، ويقول : معشر النّاس ، هذا نبيّ اللّه فاتّبعوه ، ويكون هو أول منقاد . وأمّا قول القاضي الباقلّاني « 2 » : بجواز ظهور خارق على يد فاسق
--> ( 1 ) في المطبوع : الذي . ( 2 ) القاضي الباقلّاني محمد بن الطّيّب أبو بكر ( 338 - 403 ه ) ، من كبار علماء الكلام ، انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة ، ولد في البصرة ، وسكن بغداد . وتوفّي فيها ،